محمد عزة دروزة
535
التفسير الحديث
أنفسهم ، وأمرا للنبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بقصّ هذه القصة على الناس لعلهم يتفكرون ويعتبرون . وقد أوّل المفسرون ( 1 ) مثل الكلب بأن حالة الكافر أو المنسلخ كحالته لا يترك ضلاله وكفره سواء أوعظ وأنذر أو لم يوعظ وينذر . وهو وجيه سديد . وقد روى المفسرون روايات في اسم الشخص الذي عنته الآيات ( 2 ) فروي أنه أمية بن الصلت الشاعر الذي كان موحدا ويظن نفسه على ملَّة إبراهيم عليه السلام ، فلما بعث النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم حسده على اختصاصه بالنبوّة من دونه فجحد . وروي أنه أبو عامر الراهب المتنسّك الذي كان على ملَّة إبراهيم عليه السلام فحسد النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أيضا وتنصّر وآلى على نفسه محاربته وكان يتآمر مع المنافقين عليه . وروى الطبري أنه رجل من بني إسرائيل تآمر مع الجبابرة على قومه وحرّضهم عليهم وهوّن لهم من شأنهم . كما روى أنه نبي أو كاهن أو نبي من الكنعانيين أو المؤابيين اسمه بلعام بن باعوراء . وأن ملكه أمره بلعن بني إسرائيل حينما وفدوا على بلاده بعد خروجهم من مصر بقيادة موسى عليه السلام فأوحى اللَّه إليه بمباركتهم بدلا من لعنهم . فلما ضايقه الملك أشار عليه بتسليط بنات البلاد على شباب بني إسرائيل ليورطنهم في الزنا بهم وعبادة معبودهم البعل . وأن رأيه هذا هو الانسلاخ من آيات اللَّه الذي عنته الآية . كو في الإصحاح الثاني والعشرين وما بعده في سفر العدد من أسفار العهد القديم ذكرت قصة بلعام بن باعوراء وأمر الملك إيّاه بلعنة بني إسرائيل ومباركته إياهم بدلا من ذلك . كما ذكر فيها خبر ارتكاس شباب بني إسرائيل في الزنا ببنات مؤاب وعبادة معبودهم البعل ولكن لم يذكر فيها أن هذا كان برأي بلعام . وعلى كل حال فإن اكتفاء الآية بالإشارة إلى الشخص دون تفصيل قد يلهم أنه شخص معروف عند سامعي القرآن بعلمه واطلاعه على كتب اللَّه ، وأنه انحرف عن طريق الحق والهدى بتأثير السجيّة الفاسدة ووسوسة الشيطان ومتاع الحياة الدنيا وشهواتها ، فاستحكم بذلك ما قصدته الآيات من العظة والتذكير والعبرة .
--> ( 1 ) انظر تفسير الآيات في تفسير الطبري وابن كثير والطبرسي والبغوي . ( 2 ) انظر المصدر نفسه .